محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
96
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
3 - ينبغي أن نعلم أن الفكر الحديث قد قضى عمليا على إشكالية « الكتاب السماوي أو العلوي أو الإلهي » مع النظرة إلى العالم والممارسات الشعائرية ، والأخلاقية ، والسياسية التي تنطوي عليها . ولكن هذا الفكر لم يقم حتى الآن بتقييم الوظيفة النفسانية - الاجتماعية - الثقافية التي تلعبها هذه الإشكالية في مجتمعات « الكتاب المقدس » . ومن وجهة النظر هذه ، فإن مسألة موقف المعارضين لظاهرة الوحي لا تحتاج فقط إلى القيام بتفحّص تاريخي صرف ، وإنما ينبغي أن نطرحها بكل أبعادها خارج نطاق كل غاية تبجيلية . فهذا هو الشرط الذي لا بد منه لكي نتتبّع المسارات العميقة للوعي الإسلامي داخل العالم المعاصر . يمكن أن نحصر المقاربة التاريخية مؤقتا « 1 » بتفحّص النقاط الثلاث التالية : 1 - معطيات المسألة ؛ 2 - طريقة معيّنة في التعبير ؛ 3 - نمط معيّن من أنماط الفكر . 2 - معطيات المسألة : يتفق المؤرّخون عادة على أن معارضي الدعوة التبشيرية لمحمد كانوا هم من المكّيين . ولكنهم لا يميّزون بوضوح داخل هؤلاء المكّيين بين أولئك الذين كانوا يعارضون باسم نظام العقائد / واللاعقائد الخاصّة بالدين العربي السابق على الإسلام ، وبين أولئك الذين كانوا يعتنقون « الإيديولوجيا الملكية » التي نشرت في الشرق الأوسط القديم من قبل الأديان الإيرانية ، وأديان وادي الرافدين ، والأديان السامية « 2 » . . إلخ . وهذا التمييز يفترض امتلاك معرفة دقيقة بالعلاقات التي كانت قائمة بين الدين العربي بصيغته المكيّة بشكل خاص وبين هذه « الإيديولوجيا الملكية » التي كانت منتشرة بشكل متفاوت في أوساط الجماعات العديدة التي كانت تسكن منطقة الشرق الأوسط . وهكذا نجد ، مثلا ، أن علاقات النسب التي يقيمها الباحث ج . س . فادية . J . C Vadet بخصوص الحنفاء أو الحنيفيين يمكنها أن تغني كثيرا ملف هذه المسألة إذا ما استطعنا تجميع شهادات أكثر عددا وإقناعا . ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن البحوث المتبحّرة التي قام بها المستشرق جيو قيدينغرين Windengren Geo عن « الإيديولوجيا الملكية » و « الكتاب السماوي » . فميزتها الكبرى تكمن في فتح مبحث تاريخي واسع جدا . ودراسة موقف المشركين من ظاهرة الوحي ينبغي أن تحتل مكانتها داخل هذا
--> ( 1 ) هل هناك من داع للقول بأن هذه الدراسة ككل ليست إلّا محاولة مؤقتة . فهناك مسائل عديدة سوف تبقى معلّقة كما سيلاحظ القارئ من خلال تتبع الدراسة حتى النهاية . ( 2 ) حول مفهوم « الإيديولوجيا الملكية » ، انظر كتاب المستشرق ج . فيدينغرين السالف الذكر ، ص 199 وما بعدها .